كرنفالٌ شعبي يزيّن الأحساء احتفالًا بانضمامها لقائمة التراث العالمي

الأحساء, يوليو 12, 2018

تشابكت في واحة الأحساء يوم الأحد الماضي سَعف ثلاثة ملايين نخلةٍ باسقة لتظلل أعناق عشرات الألوف من أهالي الواحة المحتفلين بمناسبة تسجيل الواحة على قائمة التراث العالمي في منظمة اليونيسكو مطلع الأسبوع الماضي في مشهد تاريخي، ضج وسط محافظة الأحساء بالفرح الطاغي والاعتزاز بالمنجز الوطني، وكان ذلك وسط حضور حكومي وشعبي، ومشاركة من ممثلي منظمة اليونيسكو للعلم والثقافة، وسفراء دول خليجية وعربية.

برعاية كريمة من أمير المنطقة الشرقية، ورئيس مجلس التنمية السياحية في المنطقة، صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف، وبحضور صاحب السمو الملكي، ورئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، وحضور رئيس أرامكو السعودية، كبير إدارييها التنفيذيين، المهندس أمين حسن الناصر. 

القيصرية احتضنت العُرْس الأحسائي

وعلى وقع ارتفاع السيوف العربية الأصيلة في فضاءات سوق القيصرية، وتعالي أصوات الأناشيد والعرضة الوطنية التي دوت في قلب واحة الأحساء النابض بالحياة والتراث والحضارة، تُّوجت الأحساء باحتفال مهيب كعروس تلج في قائمة التراث العالمي والتابع لمنظمة اليونسكو بعد انتظارٍ دام طويلًا.

افتتاح أول نُزُل تراثي

كرنفالٌ أطلَّ منذ الساعة السابعة مساءً بتوقيت حي الكوت التاريخي في الأحساء، الذي كان على موعد مع ولادة أولى تجليَّات هذا الحدث التاريخي، حيث شهد الحي افتتاح أولى النزل السياحية التراثية في السعودية، النزل الذي يجاور بيت البيعة، والحاضر بصلابة في الضمير السعودي، وإلى جانبه، قصر إبراهيم التاريخي وسوق القيصرية الطاعن في القدم، حيث أعلنت الأحساء ولادة أول مشروع وطني للنزل السياحية، بتدشين الأمير سعود بن نايف فندق الكوت، تزامنًا مع الاحتفال الحساوي الكبير. وفي تصريح خاص بـ(القافلة الأسبوعية)، أكد أمير المنطقة الشرقية، الأمير سعود بن نايف، أن الإنسان في الأحساء، تمكَّن من المحافظة على الموروث الوطني، وأن شغف أهل المنطقة بتاريخها حال دون تشويه الأماكن التاريخية وتراثها المعماري، وأسهم بشكل واضح بمنح المنطقة بُعدًا تاريخيًا ملموسًا، مكنَّها من الحصول على اعتراف مُستحق من منظمة اليونيسكو.

وشدَّد الأمير سعود بن نايف على أن أهل الأحساء تشبثوا بجذورهم رغم سيل التطورات التي يمر بها العالم الآن، وأضاف سموه أن الملك عبدالعزيز -رحمه الله- كان مُحبًا للأحساء، وكذا هو الحال للملوك الذين أتوا من بعده -رحمهم الله- إلى عهد سيدي خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، حيث كانوا مُحبين للأحساء أرضًا وناسًا وتراثًا، كما نوَّه الأمير سعود بن نايف، على أن مزيدًا من المشاريع التنموية والتطويرية سترى النور قريبًا، وعلى تكامل وتضافر الجهود، ستضمن الأحساء مستقبلًا واعدًا للمنطقة الشرقية في ظل اهتمام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، ووضعه حجر الأساس قبل عام لعددٍ كبير من المشاريع العملاقة في مدن المنطقة، والتي ستكون ملموسةً للمواطن على المدى القريب والبعيد على حدٍّ سواء. 

مستقبل واعد للسياحة في الأحساء

من جانبه، وفي حديث خاص بـ(القافلة الأسبوعية)، شدَّد صاحب السمو الملكي، رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، الأمير سلطان ابن سلمان بن عبدالعزيز، أن الأحساء استحقت فوزها بالسباق الذي جرت فصوله في مملكة البحرين في العشرة أيام الأخيرة من شهر يونيو الماضي، وأنه ينعكس على الهيئة العامة للسياحة والتراث كمسؤولية كبيرة، مؤكدًا أن هناك أعمالًا كثيرة سترى النور قريبًا، ومضيفًا: «هذا جزءٌ بسيطٌ جدًا، وهناك فريق عمل سيقدم خطة متكاملة لسمو أمير المنطقة الشرقية، الأمير سعود بن نايف، للتطوير والتجاوب مع ملاحظات ومتطلبات اليونيسكو».

وتحَّول هذا الإنجاز وتسجيل الأحساء على قائمة هيئة التراث العالمي إلى طاقة لتحفيز المستثمرين، حيث أكدَّ سموه، أن أهل الأحساء مشهورون بالمبادرات، وأنه واثقٌ من أن وجود بيئةٍ مناسبة للاستثمار وقطاع الأعمال سيمثل فرصة أخرى للمشاركة في بناء البلاد، وهو الأمر الذي أسهم فيه القطاع الخاص منذ عقود.

وأوضح سمو الأمير سلطان بن سلمان، أن الأحساء مقبلة على نهضة كبيرة جدًا في مجال السياحة، وأضاف: «هنا نشهد نهضة اقتصادية مكللة بالعديد من فرص العمل، وبالذات في مجال تطوير الأعمال، فالأحساء، تمتلك تنوعًا ثريًا وهائلًا يتراوح بين ميناء تاريخي كميناء العقير، وصحراء تمتد حتى الالتحام بالربع الخالي، وواحات نخيل لا تنتهي، والعمارة والقصور التاريخية وطرق التجارة والحج، وهنا نجد أيضًا التراث الإنساني والثقافي والأدبي في الأحساء». واستطرد سموه: «اليوم فرص العمل هي التحدي الأكبر للاقتصاد الوطني، حيث أصبحت الدولة اليوم تَعُدّ السياحة الوطنية أحد القطاعات الرئيسة الرائدة لإنتاج فرص العمل، والدولة الآن أسست هيئات جديدة كلها تصبُ في تطوير السياحة والتراث الحضاري، والأحساء وأهلها مقبلون على نهضة حضارية كبيرة».

الأحساء .. تفاعل بين الإنسان والطبيعة

وكان رئيس أرامكو السعودية، كبير إدارييها التنفيذيين، المهندس أمين حسن الناصر، قد صرح إبان الإعلان عن اعتماد ملف محافظة واحة الأحساء من قبل لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة «اليونيسكو» موقعًا ثقافيًا للتراث الإنساني العالمي: «عُرفت الأحساء على مر التاريخ بحضاراتها العريقة التي تعود لآلاف السنين، ونخيلها المعطاءة وعيونها السخية وأنظمة الري القديمة والحديثة التي تعبّر عن تحولات تفاعل الإنسان مع البيئة، ومواقعها الأثرية، مما أكسبها عُمقًا ثقافيًا فريدًا جعلها تستحق هذا الإنجاز الذي سيسهم بنقلها إلى أجيالنا القادمة، وتعريف العالم بجزء مهم من بعدنا الحضاري ودورنا البارز في العالم الإنساني».

من جانبه، أكد السفير والمندوب السعودي الدائم في منظمة اليونيسكو، الدكتور إبراهيم البلوي، في حديث مع «القافلة الأسبوعية»: «أن تسجيل لجنة التراث العالمي لموقع واحة الأحساء، الذي يُعد خامس موقع سعودي يتم تسجيله على القائمة، ينبثق من قوة ومكانة المملكة العربية السعودية، التي تزخر في مواقع أثرية وتاريخية، تمتد إلى آلاف السنين».

و شدَّد السفير البلوي، على أن واحة الأحساء هي المثال الناجح على مستوى العالم لتمكن الإنسان من التكيَّف مع آخر تغيَّر مناخي حدث في الأرض، مضيفًا: «كانت الجزيرة العربية قبل سبعة آلاف سنة أرضًا خضراء ومناخًا رطبًا، وبالتغيَّر المناخي، تحوَّلت إلى صحراء وتمكن الإنسان من العيش، وهذه الواحة أهم شاهد في العالم على التكيُّف مع هذا التغيُّر المناخي، إذ أوجد بيئة مناسبة للعيش والإنتاج، وهذه الواحة هي مهد الحضارات في الجزيرة العربية»

وأشار البلوي إلى القيمة الاستثنائية التي حظي بها ملف واحة الأحساء الذي نافس في سباق اليونيسكو الأخير وأسهم بشكل واضح في جذب دعم غير محدود من أعضاء الدول الممثلين في المنظمة، وحسم كثيرًا من الأصوات لصالح الملف السعودي، مؤكدًا على وجود هذه الواحة الخصبة الغنَّاء منذ ما قبل النفط، وأن المملكة أخذت قرارًا استراتيجيًا منذ عام 1932م بنقل كل صناعة النفط بعيدًا عن الواحة رغم وجود أكبر حقل نفط في العالم فيها.

ووسط الأجواء الاحتفالية، وبحضور محافظ الأحساء، رئيس مجلس التنمية السياحية في المحافظة، الأمير بدر بن محمد بن جلوي، أطلق الأمير سعود بن نايف، عددًا من مشاريع الهيئة الوطنية للتراث والسياحة في مجال التراث العمراني والمتاحف في محافظة الأحساء، شملت عددًا من مشاريع الترميم والتأهيل للمواقع التراثية، وعلى رأسها كان «تأهيل وتطوير وسط مدينة العيون التراثية، وعدد من المباني التراثية بواحة الأحساء»، إضافةً إلى تطوير وتأهيل وترميم عشرة مواقع تراثية هي: مشروع قصر إبراهيم، ومشروع قصر صاهود، ومشروع قصر خزام، ومشروع قصر محيرس، ومشروع المدرسة الأميرية، ومشروع بيت البيعة، ومشروع مسجد جواثا ومشروع عين نجم، ومشروع مباني منطقة العقير التاريخية، ومشروع مدينة العيون التاريخية.

وبالإمكان التعرف إلى مزيد من المعلومات حول هذه الأماكن من موقع هيئة السياحة والتراث والوطني والمواقع المتخصصة الأخرى.  

Close