حملة "أريد أن أسمع".. نهر العطاء الممتد من موظفي وموظفات أرامكو السعودية لكل مناطق المملكة

الظهران, يونيو 01, 2018

ثمّة كثير من نعم الله التي لا تُحصى علينا، مما لا يقدّرها حق قدرها إلا من ابتلوا بفقدها، ولا شك في أن حاسة السمع هي من بين أبرز تلك النعم وأكثرها أهمية وتأثيرًا على حياة أي إنسان. من هنا، ومن منطلق إحدى قيمها الرئيسة، ونعني بها قيمة المواطنة، تبنّت أرامكو السعودية إطلاق حملة "أريد أن أسمع"، التي غيّرت حياة كثيرين ممن حصلوا على سمَّاعات متطورة من خلالها، واستطاعوا أخيرًا أن يسمعوا العالم من حولهم، وأن يُقبلوا على الدنيا بقلوب وعقول مفتوحة يملؤها الأمل في غدٍ أفضل. وقد نجحت الحملة خلال العامين الماضيين في الوصول إلى أكثر من 1400 مستفيد في مناطقها الثلاث عشرة، في كثير من مدن وقرى المملكة.

 

الخروج من دائرة الصمت

عندما تطأ قدماك مدخل المنزل البسيط الذي يقع على أطراف مدينة الهفوف في الأحساء، ستسمع جلبة أطفال صغار يمرحون ويلعبون، وستنتابك الدهشة عندما تعلم أن هذا المنزل كان يلفُّه الصمت والسكون منذ شهور قليلة، ثم ستزول دهشتك عندما تعرف أن نهر العطاء الممتد من موظفي أرامكو السعودية قد مرَّ من هنا، كجزء من حملة "أريد أن أسمع"، التي وفّرت لثلاثة أطفال من هذا المنزل سمّاعات متطورة جعلت الحياة تعرف طريقها مرة أخرى إلى هذا المنزل.

 

يوسف (15 عامًا)، وحسين (10 سنوات)، ومهدي (6 سنوات)، ثلاثة أشقاء كان الصمت يلفُّ حياتهم، ويسودها الحزن والألم، وكان الوالدان يعيشان يوميًا مرارة رؤية أبنائهما وهم بهذه الحالة التي كانت تدمي القلوب. صحيح أن الوالدين يبذلان كل ما في وسعهما لتعليم أبنائهما، حتى أن الأب كان مصرًا على أن يدخلوا مدرسة يرتادها أترابهم من الطلبة الأصحاء، مما سيساعدهم على الاندماج أكثر مع المجتمع، متجنبًا إدراجهم في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة. لكن ذلك، وإن كان قد أسهم بصورة ما في تحسن حالتهم الدراسية، لم ينجح في حل المشكلة الأكبر التي تمثّل حجر عثرة في طريقهم، إذ كانوا لا يستطيعون تمييز الأصوات ولا إدراك الأخطار التي يمكن أن تصيبهم.

 

تقول أمُّ يوسف: "عندما وُلد يوسف، لاحظتُ تدريجيًا أنه لا يسمع جيدًا ما يدور حوله، ولا يستجيب للأصوات ولا ينتبه لما حوله. وقتها ذهبت به إلى عدة مستشفيات، وقيل لي إنه مصاب بالصمم. بذلتُ معه كل الجهود الممكنة، وابتعنا له سمَّاعات عادية، لكن ذلك لم ينجح في تحسين حالته، وعندما أنجبتُ أخويه سارعتُ فور ولادتهما إلى التأكد من إصابتهما بهذه المشكلة أم لا، وشعرتُ بالحزن عندما اكتشفتُ أنهما يعانيان من المشكلة نفسها".

 

وتضيف: "عشنا أعوامًا طويلة ونحن نحاول تعليمهم وتدريبهم وتحسين حياتهم، حتى علمنا بحملة أرامكو السعودية (أريد أن أسمع)، فتقدَّمنا بطلب للحصول عليها، وتم إجراء الكشف الطبي عليهم، ومنحت لهم سمّاعات غيّرت حياتهم تمامًا؛ فالسمّاعات السابقة كانت سيئة للغاية، ولا تمكّنهم من الاندماج بشكل كامل مع من حولهم. أما الآن فقد أصبح الأولاد كما تراهم مليئين بالحركة والنشاط، مدركين لما يستمعون إليه. يوسف الآن من المتفوقين دراسيًا، وحسين كذلك، أما مهدي فالحياة صارت أسهل كثيرًا بالنسبة له".

 

وداعًا للصمم!

بسّام طفل لا يتجاوز السادسة من العمر، يقطن مع أسرته في أحد أحياء المدينة المنورة. ما يجعل بسّام مختلفًا عن غيره من الأطفال في مثل سنه هو أنه مصاب بالصمم منذ ولادته، فلا هو يتعرف إلى الأصوات التي تحيط به ولا يتفاعل بالتالي مع ما حوله. تقول والدة بسّام إنها اكتشفت إصابته بالصمم فور ولادته حين كانت في زيارة إلى دولة عربية شقيقة، حيث أخبرها الأطباء بحقيقة مرضه غير القابل للشفاء، إلا بسمّاعات متطورة للغاية وباهظة الثمن. أُسقط في يد الوالدين ولم يعرفا ماذا يفعلان، وقرّرا الاعتماد على السمَّاعات العادية، التي أدّت لزيادة حالته سوءًا.

غير أن كل ذلك تغيّر بعد أن عرفا عن حملة "أريد أن أسمع"، وتمكنَّا من الحصول على السمَّاعات، التي كانت نقطة تحوُّل في حياة بسّام، الذي لم تعد الابتسامة تفارق محيّاه، إذ أصبح بوسعه التواصل مع أبويه وأشقائه، وصار يسمع صوت جرس الباب ورنين الهاتف، ويستمتع بالألعاب على الجوّال.

 

لست وحدك!

ثلاثة أشقاء آخرون، وهذه المرة من مدينة حائل، كان يلفُّهم عالم من الصمت، الذي أحاط بهم وجعلهم ينفصلون عن عالم الأصوات حولهم، ويعيشون عالمًا مختلفًا لا نعرفه؛ فأصبحوا أكثر مهارة وحدّة في حواسهم الأخرى. أصبحوا حاذقين في لغة الجسد والعيون ومدلولات تعابير الوجه. منهم من هو أصمّ بالكامل، ومنهم من يستطيع التواصل بطرق مبتكرة، فقد تعلَّم لغة الإشارة وأتقنها ليتواصل مع مَن يتقنها، سواء أكانوا صُمًّا أم أصحاء.

 

كانت والدتهم، أمُّ عبدالله، قد طوّرت لغة بينها وبين أبنائها الثلاثة حتى تفهمهم ويفهمونها بلغة الأمومة؛ إذ إنها وهبت نفسها ووقتها كلّه لهم، تدعمهم وتشدّ من أزرهم وتساندهم. لكن أسرة أم عبدالله كانت على موعد مع مبادرة موظفي أرامكو السعودية، "أريد أن أسمع" التي وصلت إلى حائل، ولسان حالها: لست وحدك! فقد حصل كل من الأبناء الثلاثة على سمَّاعة أذن متطورة ساعدتهم في الانسجام والتفاعل والتواصل مع مجتمعهم المحيط، فلم يعودوا يحسون بأنهم مختلفون عن أقرانهم أو أقل منهم شأنًا.

 

يقول الصغير تركي ذو الأعوام العشرة، والذي بدا عليه التحسن، إنه يسمع الآن بشكل أفضل، ويتحرك بشكل أكثر ثقة، ويشارك زملاءه في المدرسة في اللعب. يحب تركي كرة القدم، ويتابع المباريات المحلية والعالمية، ويتفاعل مع الأهداف بحماسٍ شديد، تقول والدته: "تطوّر تركي كثيرًا في فترة قياسية، وصار يحبُّ الذهاب إلى المدرسة أكثر من أي وقت مضى".

 

تقول أم عبدالله إن القصة بدأت باتصال هاتفي من مركز التنمية الاجتماعية، أبلغتْ فيه أن أولادها الثلاثة قد حصلوا على منحة سمَّاعات من مبادرة "أريد أن أسمع"، وتضيف: "كان شراء سمَّاعات من هذا النوع لثلاثة أبناء سيرهق ميزانية الأسرة حتمًا، ولكن الله سخّر لنا أناسًا يشعرون بمعاناتنا، وجعلني ذلك أشعر أنني لست وحدي في هذا العالم".

 

جدير بالذكر أن حملة "أريد أن أسمع" مستمرة للعام الثالث على التوالي، ولا شك في أن دعم الموظفين وسخاءهم من خلال التبرع لهذه الحملة في عامها الثالث، سيُسهم في توفير ما يكفي من المبالغ المالية، التي ستدفع الشركة ما يماثلها، وذلك لإيصال سمَّاعات طبية ملائمة لمزيد ممن فقدوا نعمة السمع، ولا تتوفر لديهم القدرة على اقتنائها.

Close