غوَّاصُو أرامكو السعودية: للبحر شغفٌ لا يقاوَم!

رأس تناقيب, يونيو 13, 2018

على متن سفينة (الزامل 6)، يعمل عبدالله العميري غواصًا في وحدة التفتيش والإصلاح البحري في إدارة الأعمال البحرية في أرامكو السعودية، حيث تقبع حياته العملية تحت سطح البحر بين الحياة البحرية والنباتية في الخليج العربي. ويقوم جنبًا إلى جنب مع زملائه الغواصين، بتفقد الأصول البحرية للشركة بما في ذلك الصنادل والسفن والمنصات وخطوط الأنابيب وإصلاحها وصيانتها والمحافظة على سلامتها.

أما سلطان الأحمدي، المشرف على أعمال الغوص والمسؤول عن فحوصات السلامة قبل وأثناء الغوص، وعن سلامة الغواصين بشكل عام، فهو ساعد العميري الأيمن في هذا العمل بدءًا من الوقت الذي يغادر فيه السطح إلى مرحلة استكمال تخفيف الضغط والرجوع إلى السطح مرة أخرى. فقبل أن يغوص العميري أو غيره من الغواصين، يجب على المشرف أن يعطيهم الضوء الأخضر.

في واحدة من مهمات العمل نرى العميري داخل قفص معدني للغواصين يبلغ طوله ستة أقدام وعرضه ثلاثة أقدام بالقرب من حافة القارب. ويتصل القفص الشبكي الذي تحيط به رافعة تتغير وتيرة سرعتها وتنزِّل كلًّا من القفص والراكب في قاع مياه الخليج العربي. ويتم تعقب جميع حركات العميري بواسطة كاميرا ونظام اتصال ثنائي الاتجاه تحتوي عليهما خوذة الغوص التي يرتديها، التي تزن حوالي 15 كيلوغرامًا.

نستطيع القول، إذن، إن وحدة التفتيش والإصلاح البحري تعمل بمثابة عيونٍ وآذانٍ وأيدٍ تحت سطح البحر لأرامكو السعودية، حيث يُرسل الغواصون، المجهزون بمنظار رؤية القناص، للقيام بعمل دقيق في بيئة غير مناسبة للتفاعل البشري.

يقول مدير إدارة الأعمال البحرية، الأستاذ محمد السلطان: «يدهشني عمل الفريق، فهم دائمًا على أهبَّة الاستعداد بغض النظر عما يتطلبه الأمر لإنجاز المهمة الموكلة إليهم».

كما تُعّد وحدة التفتيش والإصلاح البحري دليلًا على الجهود التي تبذلها أرامكو السعودية لضمان تنفيذ الأعمال بمثالية ونجاح وأمان، وهو الأمر الأهم بغض النظر عن البيئة التي تنفذ فيها تلك الأعمال.

الدماغ المحرك

يمثّل بيتروس كوغياميس النقطة المحورية لاستقبال الطلبات الموجهة لخدمات وحدة التفتيش والإصلاح البحري. وفي أي يوم من أيام عمله، يمكنه أن يتلقى ما بين 20 إلى 40 طلبًا لتنفيذ مهمات عمل، ويتم تسلُّم تلك الطلبات رسميًا من خلال نظام إدارة الأعمال البحرية في إدارة الأعمال البحرية. يقول كوغياميس: «نحن نتلقى الطلبات ونقيّمها ثم نقرِّر أي سفينة ستقوم بهذه المهمة».

وتتفاوت المهمات من حيث التعقيد والمتطلبات، وللاستجابة على النحو المطلوب، توجد خمس سفن تحت تصرف الوحدة قادرة على العمل في أعماق مائية مختلفة: سفينتان للمياه الضحلة تعملان في مياه يتراوح عمقها من 1.5 إلى 15 مترًا، وسفينتا مساندة الغوص تعملان في مياه يتراوح عمقها من 15 إلى 50 مترًا، بالإضافة إلى سفينة غوص التشبّع، التي بإمكانها العمل في مياه يتراوح عمقها من 30 إلى 300 متر. وتحتوي كل سفينة أيضًا على معدات غوص متنقلة يمكن استخدامها على قوارب (الزودياك) التي صُممت خصيصًا لمتن السفينة، وهو ما يسمح للوحدة بإمكانية الإبحار من المياه الضحلة إلى الشاطئ عند الحاجة.

وتُعَدُّ أعماق البحر بالنسبة لكوغياميس، الذي عمل في الغوص على مدى 32 عامًا، بمثابة منزله الثاني. وهو يؤدي دورًا مهمًا أثناء تقييمه للسفن المتوفرة لتنفيذ المهمات المطلوبة، بالإضافة إلى إرسال تعليمات للغواصين وتلقّي التحديثات التشغيلية، ولذلك عرفت مقصورته باعتبارها «الدماغ» المحرك لمختلف الأعمال، بالرغم من أنها متوارية عن الأنظار.

ويقول كوغياميس: «أقوم بالتواصل مع زملائنا في السفن، ومن هنا يمكننا رؤية ومراقبة كل شيء في الوقت الفعلي ومعرفة مواقع السفن تحديدًا ومهمات الغوص التي تؤديها. إنها عملية مستمرة على مدار الساعة». وعملًا بمبدأ «الوقاية خير من العلاج»، تنظِّم الوحدة في كل عام حملة فاعلة لتفتيش 650 كيلومترًا من خطوط الأنابيب البحرية، بالإضافة إلى 72 منصة، مما يساعد على إطالة دورة حياة الأصول.

ويقول كوغياميس: «يمكننا من خلال إجراء أعمال التفتيش تحديد أي مشكلات محتملة قبل حدوثها والاستجابة على النحو المطلوب. فالبيئة البحرية تواجه عددًا من التحديات، لذا فإن مراقبة الأشياء عن كثب أمر بالغ الأهمية». إحدى السفن التي يتتبعها كوغياميس تُدعى «ميرميد آسيانا»، وللوهلة الأولى لا يوجد ما يميّز هذه السفينة. ورغم أن سطح مهبط الهيلكوبتر المرتفع في مقدمة السفينة مثير للإعجاب، إلا أنه أمرٌ معتاد في السفن الكبيرة. أما ما يميّز هذه السفينة حقًا فهو ما يقع تحت سطحها، أي في قلب سفينة مساندة غوص التشبّع المصمّمة بشكل خاص، حيث تؤدي عملها المتمثل في خوض صراعٍ مع قوانين الطبيعة يوميًا.

غرفة التشبُّع: الاستعداد الدائم للوصول للمياه العميقة

غرفة التشبُّع هي حلٌّ تقني للتغلب على صعوبات إرسال غواصين إلى أعماق تبلغ 100 متر وأكثر من ذلك، في إشعار فوري ولفترات زمنية طويلة، وربما لمدة تصل إلى ثماني ساعات مستمرة. ويتمُّ ضبط ضغط وحدة التشبّع ليصل إلى نفس مستوى العمق الذي سيعمل فيه الغواصون تحت سطح البحر. وتفتيش أصول الشركة في مثل هذه الأعماق لفترات طويلة من الزمن يعني أن غواصي التشبّع يحتاجون للبقاء في المياه لفترة أطول وأعمق من الغواصين التجاريين التقليديين.

ومن المعروف أن الغواصين التجاريين المنتظمين يعملون لمدة تتراوح ما بين 20 و90 دقيقة في أعماق مياه أقل عمقًا، تصل إلى 50 مترًا، ثم تستغرق عودتهم إلى السطح 40 دقيقة تقريبًا نظرًا للتوقف الضروري لتخفيف الضغط. فإذا صعد الغواص إلى سطح البحر بسرعة كبيرة، فيمكن أن يعاني من داء الغوص، الذي يحدث نتيجة تنفس الغاز الذي يكون عند مستوى ضغط أعلى من ضغط السطح. ويحدث هذا عندما يظل الغواصون تحت سطح البحر لفترات طويلة في عمق أكبر، دون أن يصعدوا بشكل تدريجي مع التوقف الضروري لتخفيف الضغط الزائد للغازات الخاملة في الجسم.

أما في وحدة التشبّع، فيتنفس الغواصون خليطًا من الغازات بما في ذلك الأكسجين والهيليوم. ويمكن للغواص أن يخرج من وحدة التشبّع إلى الماء بمجرد تشبُّع الجسم، والأهم من ذلك يمكنه العودة مباشرة دون الحاجة إلى التوقف لتخفيف الضغط. وبالتالي، يتمكّن غواصو التشبُّع من العمل في عمق أكبر لفترات زمنية أطول.

يقول ناظر قسم أعمال المنطقة المغمورة، تركي الشهري: «أحد أكبر مزايا وجود سفينة مثل ميرميد وغواصي التشبُّع فيها هي إمكانية إرسالها في أي لحظة إلى أعماق كبيرة دون القلق حول تشبُّع الغواصين أو تخفيف ضغطهم أثناء صعودهم إلى السطح، مما يعني توفير الوقت والمال، ولكن الأهم من ذلك دلالته على أننا على أهبَّة الاستعداد دائمًا للتعامل مع أي موقف».

وبالنسبة للغواص يعقوب العمود، فسوف يخضع لعملية التشبّع في الغرفة نفسها التي ينام ويستريح فيها. ويتعيّن عليه من أجل الوصول إلى قاع البحر، الخروج من غرفة الضغط الخاصة به من خلال غرفة معادلة الضغط ويدخل غرفة الغوص. ثم يتمُّ إنزال غرفة الغوص إلى قاع البحر أو العمق المطلوب لينطلق العمود لأداء مهمته. وفور الانتهاء من المهمة، سيعاود العمود الدخول إلى الغرفة ثم يتمُّ رفعه مرة أخرى إلى السفينة كغيره من غواصي التشبّع الآخرين. وطوال الوقت، يقتصر عالمه على قاع البحر وغرفة التشبّع.

ويتمحور غوص التشبّع حول العمق والوقت. وعلى الرغم من ذلك، فإن العمل في المياه الضحلة يمكنه أن يؤدي إلى أكثر السيناريوهات صعوبة. ولكن حتى في هذه الحالة، عملت وحدة التفتيش والإصلاح البحري لتثبت أنه لن يستعصي عليها تذليل أي تحدٍّ من خلال الإبداع والتقنية.

(سويم آر) .. روبوت ذكي للمراقبة والتفتيش في المياه الضحلة

في المياه الضحلة تواجه الغواصين تحديات تتفاوت في خطورتها، وفي إحدى مهمات العمل نرى أحد الغواصين متصلًا بحبل أشبه ما يكون بحبل السرة الذي يربطه بالحياة، ليقوم بعد ذلك بالنزول في المياه لبدء تفتيش أحد الأصول التابعة لأرامكو السعودية. ويعمل الحبل الذي يبدو كحبل أصفر سميك، بمثابة قناة لتوريد الغاز أثناء الغوص. كما يحتوي على أسلاك معززة تسمح بالاتصال اللاسلكي مع الغواص، بالإضافة إلى توفير الضوء للغواص ونقل بث الكاميرا إلى منصة الغوص على السطح.

ويتصل الحبل بسفينة تفتيش مخصصة للمياه الضحلة. ومع ذلك، يجب أن يعمل الغواص بحذر، حيث تنتظره مجموعة من المشكلات المحتملة، وليس أقلها خطرًا الإضرار بقاع البحر أو الاصطدام بالعوائق في المياه الضحلة، فهذا العمل محفوفٌ بالمخاطر. وتطبيقًا للمثل القائل «الحاجة أم الاختراع»، فقد لجأت وحدة التفتيش والإصلاح البحري إلى مختبر الأنظمة الذكية في مركز البحوث والتطوير في أرامكو السعودية للحصول على المساعدة. والسؤال الذي يُطرح هنا هو كيف يمكنهم تفتيش الأصول في المياه الضحلة مع تجنب المخاطر المحتملة للسفن المساندة؟

وللوصول للحلول اللازمة، فقد تمَّ تعيين سبعة مهندسين في قسم سلامة شبكة الزيت والغاز للعمل مع ثلاثة أعضاء من إدارة الأعمال البحرية، لدراسة هذه الحالة وتقديم الحلول، ونجحوا في أقل من عامين في تطوير روبوت مراقبة وتفتيش للعمل في المياه الضحلة أُطلق عليه اسم (سويم آر). ويستطيع الجهاز إجراء أعمال التفتيش البصري وتنظيف البيئة البحرية وتقديم قراءات كثافة الموجات فوق الصوتية، بالإضافة إلى قياس جهد الحماية الكاثودية في المياه الضحلة. ويمكن للغواصين الآن تشغيل القوارب عن بُعد من سفن الغوص.

يقول رئيس وحدة التفتيش والإصلاح البحري، خلدون بخاري: «إنه لإنجازٌ عظيم، فهذا الابتكار فاعل للغاية لتنفيذ أعمالنا في المياه الضحلة، وهو مثال رائع للتعاون بين الإدارات المختلفة».

شادي النغيمشي، الذي يبلغ من العمر 28 عامًا، هو أحد مشغلي (سويم آر)، ويعمل مشرفًا على متدرِّبي الغوص، ويقوم بتشغيل التقنية من فوق سطح سفينة مساندة الغوص. يقول النغيمشي: «كانت هذه تقنية رائعة طُوِّرت خصيصًا لأعمالنا. ومن الطبيعي أن أشعر بالفخر الشديد كوني جزءًا من عملية تطبيقها؛ فهذا يدلُّ على أن الشركة تبحث دائمًا عن طرق مبتكرة للتعامل مع التحديات التشغيلية».

النغيمشي كان سبَّاحًا أولمبيًا، وفي عام 2008م، مثّل المملكة في الألعاب الأولمبية في فئة السباحة الحرة في بكين. وها هو يتحدث بعد مرور أربع سنوات على انضمامه إلى وحدة التفتيش والإصلاح البحري كغواص عن شغفه بهذه المهمة، ويقول: «المياه هي شغفي.. وظيفتي هي شغفي». تلقى النغيمشي تدريبًا مكثفًا في وحدة التفتيش والإصلاح البحري، ويقول حول ذلك: «لقد بذلت الشركة جهدًا كبيرًا لتطويري ويجب عليّ التحلي بالمسؤولية تجاه ذلك، يجب أن نبذل قصارى جهدنا دائمًا، وأن نبحث عن طرق يمكننا من خلالها تحسين أعمالنا».

أول غواص سعودي في أرامكو السعودية

يتحدث إياد الحجي، ذو الـ 40 عامًا، بحماس منقطع النظير، عن «علاقة خاصة» تربط بينه وبين الماء. ويعمل الحجي، الذي يسكن في مدينة الخبر، مشرفًا للغوص، وهو ينهمك في أداء مهماته بالإشراف على أعمال الغوص على السفن، أو في مكتبه في رصيف رأس تناقيب لضمان أداء المهمات بسلاسة.

ويُعَدُّ الحجي رائدًا في عالم الأعمال البحرية في أرامكو السعودية، فعندما انضم إلى أعمال الغوص في الشركة عام 2006م، لم يكن هناك سعوديون آخرون في الفريق، حيث كان الحجي أول سعودي يعمل في هذا المجال.

يقول الحجي: «كنت على يقين بأن العمل في أرامكو السعودية سيكون مثيرًا. فقد قدّم لي تحديات جديدة، وكنت على استعداد للتصدي لها. لقد كان من دواعي فخري أن أكون أول غواص سعودي في الشركة». وتلقى الحجي تدريبًا مكثفًا يشمل دورة تدريبية لإسعافات الغوص وبرنامجًا في الاختبارات غير الإتلافية /التفتيش البحري، وهي مهارات مهمة في مسيرته المهنية في الشركة. ويُعَدُّ الحجي الآن مرشدًا في الوحدة بالرغم من سنه اليافع نسبيًا.

يقول الحجي: «لطالما أحببتُ الغوص، فعند الغوص لا يمكنك أن تعرف أبدًا التحديات التي يمكن أن تواجهها. وهنا يكمن جمال هذه الوظيفة. أنت تعمل في بيئة غريبة على حياة الإنسان، حيث إنه مخالف للطبيعة أن يكون الإنسان تحت سطح الماء لأوقات طويلة. وأنا أسأل نفسي أحيانًا أثناء وجودي تحت سطح البحر: ماذا أفعل هنا؟ لكن هذه البيئة تُبرز أفضل ما في الإبداع البشري».

شغف البحر

على الرغم من عملهما كاتبين إداريين في إدارة الخدمات الفنية البحرية، فإن كلًا من مصعب الحمود، ومتعب عطيف، وجدا نفسيهما في عمق البحار، وذلك بعد أن استجاب الحمود وعطيف لطلب إدارة الخدمات الفنية البحرية باستدعاء من لديه الاهتمام بأن يصبح غواصًا.

كان كلٌ من الحمود وعطيف جزءًا من حملة لتوظيف غواصين من الشركة للانضمام إلى وحدة التفتيش والإصلاح البحري. وكان عليهم أن يثبتوا قدراتهما أثناء مواجهتهما لتحديات جسدية ونفسية هائلة ليصبحا مؤهلين. يقول خلدون بخاري: «لدينا عملية توظيف داخل الشركة، وهي عملية صارمة، فنحن لا نوظف سوى الأفضل، والجانب الجسدي ما هو إلا جانب واحد فقط من المتطلبات. فيجب بطبيعة الحال أن يكون المتقدمون للوظيفة لائقين بدنيًا، لكن يجب أن يكون الاستعداد الذهني متواجدًا، ويحتاج الأمر إلى شيء مميّز لكي تصبح غواصًا في الوحدة».

وفي هذه المرحلة، بدأ برنامج تدريبي شامل، وانضم الاثنان إلى دورة تعريفية مدتها ثلاثة أشهر على متن سفن أرامكو السعودية، حيث راقبا أعمال الغوص وإجراءات السلامة واستخدامات غرفة إزالة الضغط. وعقب ذلك خضعا لبرنامج مكثف للتدريب على الغوص تحت سطح الماء لمدة 90 يومًا في خليج سالدانها في جنوب إفريقيا. وتدرب كلاهما على أعمال الغوص يوميًا من الساعة 10 صباحًا حتى الساعة 5 مساءً. وخضعا لتدريب أساس للبحارة ولاحظا تحسنًا ملحوظًا في مستوى لياقتهما البدنية.

وبعد التخرج بنجاح من الدورة، عاد كلاهما إلى الوحدة كغواصين مؤهلين تمامًا. ومثل زملائهما في وحدة التفتيش والإصلاح البحري، يعمل الحمود وعطيف خمسة أيام متواصلة، ثم يحظيان بيومي عطلة. ويقضيان أغلب أيام العمل الخمسة على متن السفن في الخليج العربي، حيث يعملان ويتناولان الطعام وينامان هناك.

Close