مرحلة مسابقة "أقرأ" بدأت "بالناشر المحترف" وانتهت "بالقراءات الشعرية"

بدأت الاستعدادات لمرحلة الحفل الختامي لملتقى "أقرأ الإثرائي" الذي انطلق في شهر مارس الماضي في نسخته الرابعة، بعد انتهاء مرحلة مسابقة أقرأ الوطنية بمشاركة 36 قارئًا وقارئة، اجتازوا مرحلة المقابلة الشخصية، من بين 150 وصلوا لهذه المرحلة، وذلك من أصل 14 ألف متقدم ومتقدمة للمسابقة. شهد الملتقى، العديد من ورش العمل وحلقات النقاش القيمة التي يقدِّمها نخبة من الفنانين والمثقفين السعوديين والعرب التي تهدف لإثراء النقاش الثقافي مع المتسابقين وإلهامهم.

 مسابقة أقرأ الوطنية هي إحدى الأنشطة التي يقوم بها مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي، التي تُعد إحدى مبادرات أرامكو السعودية لإنشاء وتعزيز مجتمع المعرفة في المملكة.

  تنوعت فعاليات هذا العام ثقافيًا من المسرح إلى السينما وصولًا إلى الفن التشكيلي مرورًا بالنشر والموسيقى والأدب مجسدة مقولة "من أجل ما لم يُقرأ بعد". بهذه الفعاليات الإثرائية يقترب ملتقى أقرأ من انتهاء فعالياته للعام الرابع محفزًا القراء أن ينتظروا عيدهم بالتتويج بلقب قارئ العام الشهر المقبل.

 في بداية الملتقى حلَّ الناشر والشاعر، شوقي العنيزي، ضيفًا على المنتدى متحدثًا عن موضوع فوضى النشر وهدر مشاريع الترجمة في العالم العربي. وقال العنيزي: "إن امتلاك الرؤية على التحليل لاختيار الأعمال ومايناسبها من إطار جمالي أو موقف أيديولوجي، تُعد من أهم سمات الناشر المحترف، وهو يختلف تمامًا عن الناشر المطبعي والذي عادة ما يهتم بالجانب المادي للكتاب".

ومن النشر إلى الفن التشكيلي، حيث حلَّ الفنان والنحّات السعودي كمال المعلم ضيفًا على الملتقى، وقدَّم خلالها تجربته الفنية التي تخللتها رحلته إلى فلورنسا بإيطاليا ليتعلم أصول الفن التشكيلي ومدارسه. كذلك استعرض المعلم في شريط مصور تجربته الرائدة في الصين التي تضمنت عددًا من المجسمات الفنية مثل (حرير الخيل) و(عنتر وعبلة) وأخيرًا (مجسم العاديات) التي تحتل مواقع مهمة في أكبر حدائق الجمهورية الصينية. 

 القارئ المخرج

  لأن الأدب والسينما يملكان مكانًا راسخًا في ملتقى أقرأ، قدَّم الناقد السينمائي د.حسن النعمي محاضرة عن "القارئ المخرج" مشيرًا إلى صعوبة التوصل إلى صيغة تعبِّر عن العلاقة بين النص والصورة، دون التطرق إلى مفهوم كل واحد منها، موضحًا أن النص يتسع ليشمل الظواهر الاجتماعية، لذلك فإن القارئ يصبح مع النص بمفهومه الشمولي متلقيًا، يستقبل النص ويخلق له المعنى الذي يراه. ويرى الناقد النعمي أننا نقرأ لننتج المعنى، وإلا فإن القراءة تُعد عبثية.

تم عرض عدد من الأفلام السينمائية خلال الملتقى منها "من المشهد إلى البكرة" تخللها عرض نماذج لإنتاجهم السينمائي مثل "مخيال" و"قاري" و"أصفر" متبوعة بنقاشات ثرية من المتسابقين والمتسابقات. كما تم عرض المسرحية المحلية "حبل غسيل" التي تُعد الأولى من نوعها في دول الخليج العربية والتي تندرج تحت أسلوب مسرح "البلاي باك" وقدَّمها عدد من النجوم الصاعدين مثل فيصل الدوخي، ومحمد القحطاني، وأحمد التميمي، وإبراهيم الحجاج، وعازف الفلوت ماجد السيهاتي، وأخرجها المسرحي محمد الجراح، الذي يقول عن التجربة "يعتمد هذا الأسلوب المسرحي التفاعلي على قيام الجمهور بطرح فكرة أو قضية ثم يقوم الممثلون بارتجالها وتجسيدها بدون الاتفاق أو التنسيق فيما بينهم".

وفي منتصف الملتقى، كان الموعد مع قصص الآباء والأجداد وعلاقتهم بالموسيقى، حيث استهل الأمسية الدكتور سمير الضامر، متحدثًا عن رحلة الفنون "الأحسائية" خلال المائة عام الماضية ببداياتها البسيطة من الغناء في الموالد والأعراس والخماري الحساوي وصولًا إلى جيل القنوات الإعلامية.

الإنسان والتقنية

"التقنية اليوم تحدد علاقتنا بالزمن، فكل عصر يُسمى من خلال تقنيته عصرًا حجريًا وبرونزيًا، وهكذا دواليك"، بهذه الكلمات افتتح المترجم وأستاذ الفلسفة المغربي، محمد آيت حنا، أمسية "الإنسان والتقنية". وقدَّم فيها تصوره عن الفلسفة التقنية مستشهدًا بعددٍ من الفلاسفة العالميين حيث يقول الفيلسوف هايدجر: "تحولت التقنية من مساعد لمشكلاتنا، إلى إشكال في حد ذاته، مما يجعلنا نتساءل عن مستقبلنا ومدى منفعة التقنية". ويقول حنا "العلاقة بين الإنسان والتقنية أصبحت علاقة تحكمها الماديات".

ويأتي ملتقى أقرأ الإثرائي كل عام، ليثبت لنا أنه ينبغي أن نعير انتباهنا إلى ما يحدث بعد أن ننهي قراءة كل كتاب، حيث هناك أفكارنا وتفسيراتنا وفهمنا للكتاب نفسه وللقراءة بشكلها الشمولي. كل عام يستعرض لنا ملتقى أقرأ الإثرائي المعارف والفنون بكل أنواعها، ويخرجنا خارج دائرة الكتاب ليتجسد أمام القراء بشكله الحقيقي وبروحه الخالدة. ففي أمسية الناقد الموسيقي، أحمد الواصل، كانت هناك فرصة للأرض كي تُغنِّي للقراء وتخبرهم كيف يُمكن للفن أن يصبح أداة بناء حضاري للإنسان، كما تطرق الواصل للمشكلات التي تواجه التراث الموسيقي، واستحضر عددًا من التجارب الموسيقية في دول الخليج العربية.

واختتم الملتقى فعالياته بأمسية مع الشاعرة الكويتية، دلال البارود، والشاعر حيدر العبدالله، حيث تنوعت هذه الأمسية بين عدد من القراءات الشعرية، تحدث فيها الشاعر حيدر عن علاقته بالشعر، قائلًا: "لا أكتب القصيدة بقصيدة.. بل أتركها كما تحب" بينما رفضت الشاعرة دلال البارود، أن يُترك الشعر على هواه، معللة أن الشعر مشروع، قد يأتي الدافع الشعريُ له بالإلهام، "لكن هناك تقنيات تتبعها حسبما أريد للقصيدة أن تكون".