ملامح العالم المتقدم تتجسد في ثول

  «إنه من الوفاء أن نتذكَّر ذلك الرجل العظيم الذي فكّر وقرر ونفّذ مشروع جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، وهو خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، ذلك الرجل الذي لا يعرف المستحيل ولا يقف عند حدٍّ في خدمة المواطن والارتقاء بمستوى هذه البلاد إنسانًا ومكانًا».

بهذه الكلمات بدأ صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، مستشار خادم الحرمين الشريفين، أمير منطقة مكة المكرمة كلمته في الحفل البهيج الذي دشّن فيه مشاريع مدينة ثول التنموية، وسط حضور عدد من أصحاب المعالي الوزراء والمسؤولين في الدولة وفي الجامعة، والعسكريين ووجهاء مدينة ثول.

ثول البلدة الحالمة

في بداية الحفل، استمع الحضور إلى كلمة ضافية من رجلٍ واكَبَ بِنَاء جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، لَبِنَةً لَبِنَة وخطوةً بخطوة حتى تم إنجازها، حاملًا على عاتقه أمانةً غاليةً وواضعًا في مخيّلته هدفًا ساميًا، هو معالي وزير البترول والثروة المعدنية، رئيس مجلس أمناء جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، المهندس علي بن إبراهيم النعيمي، الذي ألقى كلمة الجامعة وشكر فيها سمو الأمير خالد الفيصل، على اهتمامه ومتابعته الشخصية لمشاريع تطوير ثول التنموية. وقال إن ثول البلدة الحالمة والبسيطة لمئات السنين لم تَعُد ميناءً صغيرًا ينام على شاطئ البحر الأحمر بل أصبحت منارة للعلم والمعرفة وحاضرة علمية وحاضنة لبيت الحكمة الجديد في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية. كما شكر معاليه أهل ثول الكرام الذين احتضنوا الجامعة والتي بادلتهم الوفاء بمثله.

  أضاف النعيمي أن المشاريع الحالية والمشاريع السابقة هي جزء من منظومة متكاملة وُضِعَت على مراحل محددة حسب احتياجات أهل المنطقة من المشاريع التنموية مع إيجاد فرص عيش وعمل كريم لأبناء وبنات ثول، كما هو الهدف المقصود سلفًا لهذه المشاريع التطويرية والتي وجه بها الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله. وأبان الوزير النعيمي أن استراتيجية هذه المشاريع التطويرية بُنيت على عدة أهداف تأخذ في الاعتبار تفاعل الجامعة مع المجتمع المحلي بحيث يمكن تطوير وتكوين بيئة عمل وحياة كريمة تقوم على تبادل المنافع وتوفر فرص التنمية المستدامة، التي تنعكس فوائدها على الطرفين الجامعة والمجتمع، كما أن الجامعة تبنَّت منذ إنشائها عددًا من برامج المسؤولية الاجتماعية من أجل تطوير الإنسان وتنميته كهدف أساس بل ومن أهم أهداف الجامعة.

شكرًا أرامكو

أثنى معالي الوزير النعيمي على الاستراتيجية التي اتبعتها أرامكو السعودية في تنفيذ هذه المشاريع وقال: «إن خطة تطوير ثول وتلبية احتياجات بنيتها التحتية وإيجاد فرص استثمار جارية وفرص عمل لأبنائها والمحافظة على تراثها وبيئتها وحياتها الفطرية هي مجمل الأهداف التي شكّلها فريق العمل عند وضع اللَّبِنَة الأولى من لَبِنَات تطوير ثول." 

 قصة التنمية الشاملة في المملكة

عن دور أرامكو السعودية في إنجاز هذه المشاريع التنموية المميزة، روى للحضور معالي رئيس مجلس إدارة أرامكو السعودية، المهندس خالد بن عبدالعزيز الفالح، أن قصة ثول تُعَد تجسيدًا مصغرًا لقصة التنمية الشاملة التي تشهدها مناطق المملكة العربية السعودية وتتجلى معالمها في المدن الكبرى. أما فيما يتعلق بالتطوير الذي تشهده ثول فقد عبّر الفالح عن أهمية العهد الجديد بوصفه قائلًا: «في عهد المنعة والحزم، العهد الذي تشغل فيه المملكة الدنيا بقوة قراراتها وحضورها العالمي وتجمع فيه كافة المسلمين ضد الإرهاب وتُقيم فيه التحالفات في أقصى الأرض، لا تنسى دولتنا التنمية والبناء ولا تغفل عن مدينة صغيرة وادعة على ضفاف البحر الأحمر فتشملها بيد الرخاء والنماء وتطور كل نواحيها لتصبح واحة غنّاء يجد فيها المواطنون الحياة الكريمة والمرافق المتكاملة والخدمات المتميزة والفرص العديدة لبناء مستقبل مشرق».

وأدار الفالح عقارب الزمن إلى الوراء لاستحضار شهادة تاريخية سطّرها الأمير خالد الفيصل بقلمه حين كتب يوم افتتاح جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية عام 1431هـ في مقال نشر في جريدة الوطن: «العالم الأول في أرضنا فماذا نحن فاعلون؟». واستطرد معاليه قائلًا: «ومنذ ذلك الحين لم يغادر تفكيرنا حجم التحدي لبناء الحاضر والاستعداد للمستقبل»، وذلك في إشارة منه إلى اعتبار الجامعة دار معاصرة للحكمة، التي تميّزت بها الحضارة العربية - الإسلامية بعلماء مثل ابن النفيس، وجابر بن حيان، والخوارزمي، وابن خلدون.

واستذكر الفالح الدراسة الاجتماعيةِ الاقتصادية التي أجرتها أرامكو السعودية عندما أُوكِلَ لها هذا المشروعِ التنمويِّ لتحويل ثولَ إلى مدينةٍ نموذجيةٍ، واسترسل قائلًا: «في هذه المدينة التي ثلثا سكانها من الشباب الذين تقل أعمارهم عن 20 عامًا، لا يسعنا إلا التفكير بما نحن فاعلون، وكيف سنبني مستقبلًا يكون شباب المملكة صُنَّاعَه وحجرَ الأساسِ فيه، مستقبل مبني على المعرفة، تتعدد فيه مناحي اقتصاد منافس على المستوى الدولي، في ملحمة تنموية غير مسبوقة».

الحلم الذي أصبح أنموذجًا حقيقيًا

عبّر سمو الأمير خالد الفيصل عن سعادته برؤية هذه المشاريع وقد نُفِّذت بأعلى المعايير والمقاييس وبدقة متناهية، قائلًا: «لا أستطيع أن أصف لكم اليوم مدى فرحتي وارتياحي لإنجاز مشروع ثول. هذا المشروع الذي كان حُلمًا بالنسبة لي، ليس لأنه مستحيل ولكن لأنه مشروع فريد من نوعه، إذ نُفِّذ على دراسة، ونُفِّذ تحت إدارة واحدة، بإتقانٍ، وبسرعة مذهلة. توحَّدت الجهود فاكتمل الإنجاز، وتوحَّدت الإدارة فكان العمل سهلًا وميسرًا ومُتقنًا. هذا المشروع كنت أحلم أن يكون أنموذجًا، ولقد أصبح المشروع أنموذجًا فعلًا».

الأحلام تتحقق!

عمل المهندسون في الشركة على تقسيم مشروع تطوير ثُول إلى عدة مراحل، استغرق تنفيذ المرحلة الأولى وقتاً قياسياً وفقًا للمعايير الهندسية المعتمدة ومتطلبات الجودة والسلامة. وفي هذه المرحلة تم إنشاء مسجد يتّسع لـ 250 مُصلِيًا، وشاطئ رملي بطول ثلاثة كيلومترات تضمَّن ممرات للمشاة وملاعب للأطفال، ومرسى بحري يستوعب 500 قارب صيد. بعد استكمال المرحلة الأولى في عام 2010م، بدأت أرامكو السعودية في تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع مستكملة بذلك كامل احتياجات البنية التحتية للبلدة، والتي اشتملت على شبكة طرق بطول إجمالي 21 كيلومترًا، ومرافقها من إنارة وزراعة ورصف وصرف مياه الأمطار إضافة إلى ثلاثة جسور خرسانية. وتم تنفيذ البنية التحتية لتشمل الشبكة الرئيسة لمياه الشرب والصرف الصحي ومحطة معالجة الصرف الصحي بطاقة تصل إلى 3500 متر مكعب في اليوم. بالإضافة إلى ذلك، تم إنشاء خمسة مساجد لاستيعاب 2700 مصلٍ وسبع مدارس للبنين والبنات بطاقة استيعابية إجمالية تصل إلى 3600 طالب وطالبة بمراحلها الابتدائية والمتوسطة والثانوية، إضافة إلى مجمع صحي متكامل يشمل عديدًا من العيادات وسكن للكادر الطبي.

  مراعاة للجوانب الترفيهية والتثقيفية، تم إنشاء مركز ثول الحضاري الثقافي على أرض بمساحة قدرها 13700 متر مربع، شمل مجمعًا للمطاعم وسوقًا تراثيًا وقاعة مناسبات وملاعبَ وممشى.

وبهذا تُطوى صفحةٌ يحق لأرامكو السعودية الفخر بأن كان لها في هذا الجزء الغالي من وطننا يدٌ تبني في نهضةٍ ترتكز على استراتيجيةٍ تنمويةٍ متوازنةٍ وشاملةٍ في كل أنحاء المملكة.