علي النعيمي يسردُ حكاية سبعة عقودٍ من العطاء

ستتوالى الأسئلة في ذهن قارئ كتاب "من البادية إلى عالم النفط" الصادر بنسختيه الأنجليزية والعربية، إذ يعدّ الكتاب شاهداً على تطور حال البلاد وأهلها متمثلاً في أول رئيس سعودي لشركة أرامكو 1984، ثم أول رئيس تنفيذي لأرامكو السعودية عام 1988م، فوزير للبترول والثروة المعدنية عام 1995 لعقدين من الزمن.

توحيد ومطر ونفط

ولد علي النعيمي في عام 1935م، بعد ثلاث سنوات من توحيد الملك عبدالعزيز، رحمه الله، للمملكة وإرساء أركانها، وقبل ثلاث سنوات من اكتشاف النفط، في البقعة التي تُعرف الآن بالراكة؛ هذه المنطقة التي كانت وقتئذ قرية صغيرة يهوي إليها البدو الرحل بسبب مخزونها من مياه الآبار الارتوازية.

وعاش الطفل الصغير مع أمه المنحدرة من قبيلة العجمان، فارتحل خلال سنواته الأولى في البادية، وانتقل إلى الصمّان شمال شرق الرياض، حيث تعشب أرضها مع المطر، ورعى الغنم وهو ابن أربع سنين مع أخيه من جهة أمه محمد، في حين كانت الصحراء مدرستهم الواسعة، وكتبهم الشمس الحارقة، والقمر المنير، والنجوم المتلألئة. وعندما بلغ الثامنة، رجع إلى والده الذي كان يعمل في صيد اللؤلؤ، وبعد أن قضى اللؤلؤ المزروع في اليابان على هذه الحرفة، أصبح الكثير من العاملين في تلك الحرفة باكورة عمال شركة النفط.

وقود العمل الشاق

يلمس القارئ لكتاب النعيمي ذلك الأسلوب العفويّ الخفيّ الذي لطالما ارتبط بالطموحين الحالمين، وهو "أسلوب التأكيدات"، وهو يعني تكرار ذكر الشيء الذي يتخيله الإنسان ويرغب في تحقيقه سواءً بالكتابة أم بالقول أم بالتفكير. فقد ذكر النعيمي ما يُشير إليه مرتين؛ مرة لمعلمه ومرة لأحد رؤسائه سكوت سيغار بعد سنوات، عندما قال: "أريد أن أصبح رئيس أرامكو!"، تلك الجملة التي وصفها بالرغبة الدفينة، إلا أنها كانت بالفعل وقودًا للمُكوِّن الثالث لوصفته للنجاح: "العمل الشاق".

90 ريـالًا لإعالة أسرته

لم يكن النعيمي ابن الحادية عشرة أو الثانية عشرة مستعدًا لمواجهة موت أخيه وعضيده عبدالله نتيجة إصابته بالتهاب رئوي. وبعد دفن عبدالله، استدعاه شخص من الشركة، قائلاً له: "علي، أنت تحسن القيام بهذا العمل سنوظفك"، فأصبح موظفًا رسميًا في الشركة، يعول أسرته بالتسعين ريـالًا التي يتقاضاها، إلا أنه طرد بعد تسعة أشهر؛ نتيجة صدور القوانين التي تحظر العمل ممن هم دون الثامنة عشرة. فاتجه هذا الصبي للعمل في ثلاثة أعمال أخرى في الظهران، لم يبق فيها وقت طويل حتى سُرِّح منها.

وهكذا عاد لأرامكو ماشقًا عوده وباسطًا صدره ليقنعهم أنه كبير، إلا أنهم أصروا على موافقة الحكومة أولاً. وبعد أن بذل علي الجهود، وذرف الدموع، حصل على موافقة الطبيب المعني بتحديد عمره، على أن يكون في بحر الثامنة عشرة! وأُعيد إلى العمل في السادس من ديسمبر عام 1947م، بوظيفة كاتب مبتدئ، والتحق بالمدرسة مجددًا. وفي العام 1948م، رُشَّح ضمن أول دفعة من الموظفين السعوديين للسفر إلى مدينة نيويورك الأمريكية لتعليم اللغة العربية لموظفي أرامكو قبل مجيئهم إلى المملكة، إلا أن الحظ جار عليه مرة أخرى، حين قال له رئيس قسم التعليم إنه صغير جدًا للعمل في الولايات المتحدة الأمريكية، بل نظر إليه ورسم خطًا على الجدار وأردف بالقول: "عندما تصبح بهذا الطول، سنرسلك". ويتذكر النعيمي قائلاً: "وحتى يومنا هذا، لم يبلغ طولي ذلك الخط!".

أريد أن أصبح رئيس الشركة

اختير علي في عام 1953م للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت، وجاء من ضمن العشر الأوائل، فرشحته أرامكو لبعثة أخرى إلى كلية حلب، وبعد عودته توجه إلى إدارة التنقيب. وهناك سأله المدير العام، سكوت سيغار: "لماذا تريد أن تصبح جيولوجيًا؟ فهذا عمل قذر، سيضطرك إلى امتطاء آلات الحفر طوال الوقت". حينها باح له برغبته الدفينة، قائلاً: "لا بأس في ذلك، فأنا أريد أن أصبح رئيس الشركة". فصدم سكوت وقال: "يا بنيّ، هذا أفضل جواب سمعته في حياتي. مرحبًا بك في إدارة التنقيب".

كان النعيمي ضمن أول دفعة من الطلاب السعوديين الذين أرسلتهم أرامكو إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ بدأت في العام 1959م مسيرته في الدراسة الجامعية بصدمة ثقافية بعد أربعة أيام من وصوله إلى مانهاتن، كاد بسببها أن يعود للمملكة، إلا أنه تغلَّب عليها، وأكمل دراسته في جامعة ليهاي، وكان أفضل من يدون المحاضرات بسبب مهارته في الاختزال. ومع أنه في تلك الفترة قد تزوج من شريكة حياته السيدة ظبية، فقد حصل أيضًا على درجة الماجستير من جامعة ستانفورد في وقتٍ قياسيّ.

لهبٌ يتأجج

عاد النعيمي وأسرته إلى الظهران وعُين جيولوجيًا في المرتبة الحادية عشرة، في قسم التنقيب والإنتاج، ثم نُقل إلى إدارة العلاقات العامة في عام 1967م، وعاد مرة أخرى إلى إدارة التنقيب والإنتاج في عام 1968م، ليعمل في قسم الآبار في بقيق.

وفي يومٍ من أيام ربيع عام 1969م، قال له زميله جوني سايب، إن البئر رقم 17 في عين دار قد جفت، وجرب الفريق كل وسيلة لسحب النفط ولكن بلا جدوى، فوضع علي مخططًا لتوصيل خط الغاز بالبئر، وانتظر هو والمشرف طوال الليل. وعند الفجر، أتاهما هزيم خفيف، وهو دليل على أن الغاز فتح مجرى البئر المغلق. ثم أقبل سايب بشاحنته هاتفًا بصوت عالٍ: "رأيت تأجج اللهب، لقد فعلتها يا علي!".

عُين النعيمي ناظر قسم الإنتاج في بقيق في أبريل عام 1969م، وكان أول سعودي في هذا المنصب، واضطلع بأول مهماته وهي تدريب السعوديين، وفي العام 1972م، رُقي إلى منصب المدير المساعد للإنتاج، ثم بعد عام أصبح مديرًا لإدارة الإنتاج في منطقة الأعمال الشمالية، وبهذا كان النعيمي الموظف السعودي الثالث الذي يبلغ هذا المنصب.

الترقية الأولى من نوعها

كان موظفو أرامكو يُوصفون بالنحل كناية عن طول ساعات العمل، ولكن كان لهذا العمل مقابل كما يصف النعيمي: "كنا أسرع ترقية في أرامكو، كما كنّا نشعر أننا نعمل لبناء وطننا وليس مجرد إنتاج مزيد من النفط والغاز، ولا أشك أن هذا هو شعور جميع موظفي الشركة اليوم". كان نشاط "النحل" هو ما دفع الرئيس التنفيذي لأرامكو، فرانك جنقرز، للدخول إلى مكتب النعيمي، قائلاً: "يا علي، هلم نتجول بالسيارة"، وبعد ساعة، قال: "تهانينا يا علي لقد أصبحت الآن أحد كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركة"، فقد صوَّت مجلس إدارة أرامكو في الأول من مايو عام 1975م، على تعيينه نائبًا لرئيس الشركة، تلك الترقية الأولى من نوعها في تاريخ أرامكو، وهكذا أصبح نائب الرئيس للإنتاج وحقن الماء. ثم انتقل بين مهام ومسؤوليات مختلفة.

خلف جون كلبرير فرانك جنقرز بمنصب رئيس مجلس الادارة والرئيس التنفيذي، أما رئيس الشركة فأصبح السيد هيو غورنر، كما انتخب النعيمي عضوًا في مجلس إدارة أرامكو عام 1980م. وأثناء افتتاح مركز إكسبك ألقى معالي وزير البترول والثروة المعدنية أحمد زكي يماني كلمة فاجأت الجميع، جاء فيها: "أصبحت أرامكو الآن منشأة سعودية تتحدث لغتنا. ونأمل ألا تغيب شمس هذا العام إلا وقد اعتلى سعودي هرم هذه الشركة". وهكذا أمر الملك فهد ابن عبدالعزيز، رحمه الله، أن يصبح النعيمي رئيسًا للشركة، وانتخبه مجلس الإدارة في نوفمبر عام 1983م، فتولى منصبه في يناير من العام التالي. وبعد تقاعد جون كلبرير في أبريل عام 1988م، خلفه النعيمي في منصب الرئيس التنفيذي، وفي نوفمبر من العام نفسه، وافق مجلس الوزراء على إنشاء كيان سعودي جديد باسم شركة الزيت العربية السعودية التي اصطلح على تسميتها أرامكو السعودية.

متفائل بالغد

كان النعيمي قد قرر في عام 1993م التقاعد عند بلوغه الستين، ولم يدر في خلده أن الملك قد رسم له خطًا آخر، فقد عينه وزيرًا للبترول والثروة المعدنية في عام 1995م. وهكذا اكتملت مكونات وصفة النعيمي الأربعة للنجاح "بكسب ثقة رئيسه" الأرفع، وسماعه بعد ذلك من ولي العهد وقتئذ، الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، النصيحة التي لم تفارقه يومًا: "يا علي لا تخش أي مسؤول، لا تخش إلا الله".

وعن مسيرته الطويلة، ختم النعيمي كتابه بالقول: "لكل بداية نهاية، ولست نادمًا على شيء ولله الحمد، بل أنا على استعداد لإعادة الكرّة. فقد عشت حياة شخصية ومهنية رائعة بكل المقاييس. وعلى الرغم من بلوغي ثمانين حولاً، انقضت سبعة عقود منها في العمل بقطاع النفط، أظل أولاً وأخيرًا مواطنًا ينتمي إلى المستقبل ويحمل نظرة تفاؤلية، فمن يدري ماذا سيحمل لنا الغد؟".