الربع الخالي ينبض بالحياة البرِّية من جديد

شهدت كثبان الربع الخالي في المملكة العربية السعودية حدثًا رائعًا، إذ عادت ثلاث سلالات من الحيوانات العربية التي أوشك بعضها على الانقراض لتجوب بحرية موطنها الأصلي. فقد اختفى المها العربي والنعام وغزال الريم لفترة طويلة من هذه الطبيعة الأسطورية القاسية، وبعد أن كانت رؤية هذه الحيوانات أمرًا مألوفًا في الربع الخالي لآلاف السنين، تناقصت أعدادها بسبب الصيد خلال القرن الماضي.

أعادت إدارة الإنتاج في الشيبة، بالتعاون مع إدارة حماية البيئة عقارب الساعة إلى الوراء في نظرتهم إلى الأمام، حيث أدَّى استكمال المرحلة الأولى من محمية الحياة البرية في الشيبة، التي تم افتتاحها من قِبل مجلس إدارة أرامكو السعودية الموقَّر في ديسمبر 2016م، إلى إعطاء الفرصة لحياة جديدة لتلك الفصائل الثلاث من الحيوانات.

ورُبَّ قائلٌ إن أعمال النفط والغاز تتعارض مع الإدارة البيئية والمحافظة على التنوُّع الحيوي - فالأمران لا يمكن أن يتعايشا معًا. ولكن المحمية جاءت لتدحض هذا الاعتقاد، مُتوِّجةً سنواتٍ من العمل الشاق والعزيمة التي لا تلين، لتمثل مرة أخرى رمزًا لوفاء أرامكو السعودية بوعدها بوضع حماية البيئة في صلب أعمالها تفكيرًا وتصميمًا وتنفيذًا.

الصيد الجائر حتى الانقراض!

تُضرب بالمها العربي الأمثال والأساطير - فمن هذا الكائن الرائع نشأت أسطورة الحصان أحادي القرن. ولكن هذه الهالة المحيطة به لم تحمِه من النظرات المتربصة للصيادين. وفي العصر الحديث ومع الاستخدام المتزايد لمركبات الدفع الرباعي الحديثة، تمكَّن الصيادون من التفوق على الطرائد وصيدها بعيدًا عن المساءلة.

كانت النتائج أسوأ كابوس بالنسبة للمتخصصين في البيئة، وهي وصول هذه السلالات لحافة الانقراض. ففي عام 1972م، بقي أربعة من المها العربي فقط في البرية. ونتيجة لذلك بذل مجتمع المهتمين بالمحافظة على الحياة البرية في العالم جهودًا كبيرةً في محاولة أخيرة لإنقاذ هذه السلالات، وتم الإمساك بالحيوانات الناجية الأخيرة في مكان غير بعيد عن الشيبة وأُرسلت إلى منشآت حدائق الحيوان في الولايات المتحدة الأمريكية لكي تتم المحافظة عليها والبدء ببرنامج تكاثر مكثف.

وقد عانى النعام من مصير مشابه قبل ذلك، حيث أدَّى الصيد الجائر إلى اختفاء هذا الكائن من الربع الخالي قبل حوالي 120 سنة، وتم توثيق وجود هذا الحيوان في شبه الجزيرة العربية آخر مرة سنة 1939م تقريبًا. وتناقصت كذلك أعداد غزال الريم بشكل كبير جدًا في شبه الجزيرة العربية لنفس الأسباب. ومع فقدان هذه الحيوانات النادرة، عانى الربع الخالي من خسارة مأساوية اعتبرها كثيرون غير قابلة للتعويض.

وعلى خلفية هذه الأحداث، وفيما تُعنى مشاريعها في الشيبة بإمدادات موثوقة من الطاقة للمملكة والعالم، قرَّرت أرامكو السعودية التدخل وبدأت تُخطط لإرجاع هذه السلالات إلى موطنها الأصلي، وأصبح هناك مشروع بيئيّ طموح على وشك الانطلاق.

مواجهة تحدٍّ جديد

اجتذب مشروع الشيبة اهتمامًا كبيرًا من الإعلام العالمي، وبحضور المقام السامي ولفيف من الشخصيات المعنية المرموقة، افتتحت أرامكو السعودية سنة 1999م مرفق الشيبة العملاق. كان الأمر بمثابة إنجازٍ هندسيٍّ مذهل، حيث كانت هناك أعمال نفط وغاز في واحد من أكثر الأماكن قسوة في العالم لناحية الظروف البيئية.

وفي سنة 2011م، أعلنت إدارة أرامكو السعودية التزامها بمبادرات جديدة لحماية البيئة سيتم تطبيقها في جميع مناطق أعمالها، وستكون الشيبة في المقدمة مرة أخرى - ولكن هذه المرة ليس بسبب احتياطياتها الهيدروكربونية. فقد كانت على موعد مع تحدٍّ جديد يتمثل في استعادة التنوُّع الحيوي والنظام البيئي الفريد للمنطقة والمحافظة عليهما.

وقد بدأ العمل على الفور، حيث جرى في البداية وقبل أي شيء تنفيذ مسح أساس للمنطقة لوضع خارطة للواقع الجغرافي وتقييم النباتات والحيوانات الموجودة في المنطقة، إضافةً إلى معرفة النباتات والمخلوقات والحيوانات التي بقيت فعلًا في الشيبة، وكم يجب أن يكون حجم المحمية وأين يجب أن تقع. كان لا بد لهذه التساؤلات من إجابات.

قام فريق العمل بالشيبة بالمسح الأولي للصحراء ودراسة جدوى المشروع في سنة 2012م. وأظهر المسح أن منطقة الشيبة ليست مجرد كثبان رملية وسبخات، وأنه على الرغم من فقدان سلالات رئيسة منها إلا أنها تحتوي على نظام بيئي فريد ومهم لا يزال قائمًا. وكشفت الدراسة أن المنطقة تحتوي على 11 سلالة من النباتات الصحراوية على الأقل.

متسلحةً بتلك المعرفة وبرؤية حازمة، مضت أرامكو السعودية قدمًا لحماية ما تبقى من المناطق الصحراوية التي لم تطلها أيدي البشر حول منطقة الشيبة من خلال التعجيل بإنشاء المحمية.

لا توجد طرق مختصرة

كما جرت العادة في أرامكو السعودية، ثمة سعي للإتقان في كل ما تنجزه من أعمال، ولذلك لم يتم اتباع أي طرق مختصرة في مشروع بناء المنشأة، الذي بدأ سنة 2014م.

تم تحديد الموقع، وبمساحة 637 كيلومترًا مربعًا، لتكون واحدة من أكبر المحميات الطبيعية المسيَّجة في العالم. كان تأسيس المحمية عملًا ضخمًا؛ فالشيبة تجعل من أبسط المهام عملًا غاية في التحدي، فعلى سبيل المثال، رصفُ الطريق الدائري المحيط بالمحمية البالغ طوله 106 كيلومترات يُعد في أي مشروع آخر في أي منطقة أخرى مهمة سهلة نسبيًّا. ولكن الأمر مختلف في الربع الخالي.

لقد تطلَّب بناء شبكة الطرق إرادة جادة إذ يصل ارتفاع الكثبان في الشيبة إلى 300 متر، وهي من أكبر الكثبان في العالم، وتصل درجة الحرارة فيها إلى 55 درجة مئوية في أشهر الصيف. يقول سويتنج: "قبل بناء الطرق كان الأمر يستغرق نصف يوم لاجتياز 12 كيلومترًا فقط من أجل الوصول إلى مدخل المحمية. والآن مع وجود الطرق صار بالإمكان قطع الطريق الدائري الذي يبلغ طوله 106 كيلومترات في ثلاث ساعات. أرامكو السعودية فقط وبخبرتها في البناء في أعماق الصحراء هي من يمكنه تحقيق مثل هذا الإنجاز المدهش".

جدير بالذكر أن المحمية قد أحيطت بسياج أمنى مُصنَّع من مواد مصممة خصيصًا للمحمية، حيث يحتوي السياج على شبك واسع الفتحات يحدُّ من تراكم رمال الربع الخالي عليه ويسمح أيضًا للحيوانات الصغيرة بالدخول إلى المحمية والخروج منها، وهو أمر مهم للمحافظة على النظام البيئي الأوسع في المنطقة.

النجاح

للمرة الأولى منذ عقود، يجوب المها العربي والنعام وغزال الريم بحرية في شرق الربع الخالي في المملكة. ولكن كان دائمًا هناك شعور بالقلق إزاء مدى قدرة هذه الحيوانات على التأقلم من جديد بعد غيابها عن المنطقة لفترة طويلة جدًا.

لقد كانت النتائج مدهشة. فمن بين 68 غزال ريم، هناك 14 غزالًا حديث الولادة نتيجة التكاثر في المحمية. ووصل عدد المها العربي إلى 39، بما في ذلك 13 حديثة الولادة. ووضعت النعامات الإحدى عشرة كثيرًا من البيض، الذي يُتوقع له أن يفقس في أي وقت الآن.

يقول مسؤول الحماية في المحمية، لؤي العزام: "كان أحد مقاييس النجاح الرئيسة إنجابُ المها والغزلان المواليد وبقاؤها جميعًا على قيد الحياة، وهذا مؤشر رئيس على أن الحيوانات قد استقرت بشكل جيد وأن المشروع يسير على الطريق الصحيح". وأضاف: "هذه أولى حالات الولادة من هذه السلالات من الحيوانات منذ 60 عامًا".

ويعمل العزام مع الجمعية الملكية لحماية الطبيعة في الأردن، التي تُعد رائدة على مستوى العالم في مجال المحافظة على المها العربي والحيوانات إجمالًا. وقد تم التعاقد مع الجمعية الملكية لحماية الطبيعة للإشراف على المحمية وتشغيلها وذلك لخبرتهم الكبيرة في مشاريع محميات مشابهة. 

الأهمية العالمية للمحافظة على الحياة البرية

تعد المحمية أكثر من مجرد ملاذ آمن لسلالات الحيوانات الثلاث، حيث يتم حاليًّا إجراء مسح علمي تفصيلي لتصنيف التنوُّع الحيوي بأكمله في المحمية. وقد أظهرت النتائج بالفعل وجود ثلاث سلالات من النباتات لا توجد إلَّا في الربع الخالي فقط على مستوى كوكبنا برمته.

ويعتقد سويتنج أنه يُتوقع، مع مرور الوقت، اكتشاف سلالات إضافية، وربما بعضها يُعد غير مكتشف علميًّا. ومع الالتزام الدقيق بالحماية فإنه من المأمول زيادةُ أعداد السلالات النادرة.

وقد بدأت تجربة محمية الشيبة بالفعل تستقطب اهتمام المجتمع البحثي الدولي، حيث زار المحمية مؤخرًا أساتذة من جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، وجامعة توتوري في اليابان، ومن سلطة المتنزهات والحدائق النباتية في أستراليا، وأبدوا رغبة قوية في إجراء مشاريع أكاديمية.

وفي ديسمبر، تمّ تدشين المرحلة الأولى من محمية الحياة البرية في الشيبة، مما يُعد معلَمًا مهمًّا لكل من كان لهم دور في إنشاء المحمية.

أما المرحلة الثانية، التي سيتم استكمالها في السنوات القليلة المقبلة، فسوف تشهد تسليم أعداد إضافية من الحيوانات حتى يتم الوصول إلى العدد المثالي من الحيوانات في المحمية. إضافةً إلى ذلك سيتم بناء مركز أبحاث ومبنى تشغيل، وهذا سيعزّز الشراكة الأكاديمية بين أرامكو السعودية والمؤسسات الأكاديمية المعروفة مثل جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، مما يتيح المجال لمزيد من الأبحاث المستقبلية ذات النطاق البيئي.

  لا تنازلات فيما يخص البيئة

وكشفت دراسات أخرى أجرتها إدارة حماية البيئة عن احتمال احتواء المنطقة على 18 نوعًا من الثدييات، مثل الثعلب الصحراوي، والقط الرملي، وأرنب الربع الخالي، و13 نوعًا من الزواحف، وما يصل إلى 176 نوعًا من الطيور، منها 169 نوعًا من الطيور المهاجرة التي تحلِّق فوق المنطقة أثناء هجرتها من إفريقيا إلى آسيا وما هو أبعد من ذلك.

حظيت المحمية بدعم كبير من الهيئة السعودية للحياة الفطرية التي قدَّمت للفريق المشورة والخبرة حول كيفية إدارة السلالات الثلاث من المها العربي وغزال الرمال العربية والنعام في البيئة الصحراوية القاسية.

يقول مدير إدارة حماية البيئة في أرامكو السعودية، الأستاذ عمر عبدالحميد: "إن النجاح في إنشاء محمية الحياة البرية في الشيبة يمثّل تتويجًا لسنوات طويلة من الجهود المشتركة بين عديد من الإدارات والمؤسسات، بما في ذلك فريق إدارة المشروع، وقسم تخطيط المرافق، والهيئة السعودية للحياة البرية، جنبًا إلى جنب مع إدارة إنتاج الشيبة، وإدارة حماية البيئة". ويضيف قائلًا: "إن المحمية دليل على أن أرامكو السعودية لا تزوِّد العالم بالطاقة فحسب، بل تولي البيئة اهتماماً أيضًا.