قيطان: همَّة بعلو أمواج البحر وآمال بعرض الفضاء

وراء كل قصة نجاح يحقِّقها الإنسان ثمة رحلة شاقة من العمل والاجتهاد والمثابرة والعزم، يُحيل فيها العقبات إلى فرص حياتية قد تكون فاصلة ومحورية في مسيرة حياته. ويتضاعف أثر هذا النجاح ويعلو صداه حين يكون الإنسان ممن قُدِّر له أن يُعاني من بعض أوجه النقص الخارج عن إرادته فيما يرتبط بإحدى الحواس الأساس التي هي وسيلة مهمة ولا غِنى عنها للتواصل مع الآخرين. في هذا التقرير سنكون في صحبة القارئ مع مجموعة من السيدات اللاتي آلين على أنفسهم ألَّا تقف الإعاقة السمعية حجر عثرة في طريقهن لتحقيق ذواتهن وإثبات جدارتهن، فكان لهن ما أردن.

قراءة الكتب والشفاه

في زيارة إلى مركز قيطان للخياطة والتطريز وجدنا أن الأمر يُشبه الوصول إلى القمر عبر تسلُّق الجبال! كنَّا نظن أن مقاييس الإنجاز تتفاوت بين شخص وآخر بتفاوت الخبرات والإمكانات، أما بعد زيارتنا للمركز وجدنا أنها أيضًا تتباين وفقًا لمن كان طريقه سالكًا وآخر وعرًا، فالجميع سيصل في النهاية، لكن أحدهما تعلَّم أكثر بلا شك.

مسيرة الحياة مليئة بالصعوبات، إلا أنَّ ذوات الاحتياجات الخاصة يستطعن التغلب عليها بإرادة قوية تُثير الإعجاب، وذلك من خلال قدرتهن على سرعة التعلم، ونسبة التركيز المرتفعة التي تفوق ما لدى الشخص الطبيعي، إضافة إلى روح الفكاهة، إذ خصَّصن إشارات لطيفة للاستدلال فيما بينهن على كل موظفة بالإدارة.

فاطمة اليحيا موظفة بإعاقة سمعية، تقرأ الكتب بنهم، وتستعيض عن السماعة بعض الأحيان بقراءة ملامح الوجه وحركة الشفاه، وكلاهما اكتشاف بطاقة استيعاب كبيرة يؤديان حتمًا إلى توسعة المدارك ومحاولة الفهم. راحت فاطمة تعدِّد لنا مجموعة من الكتب التاريخية التي قرأتها، كانت لها ابتسامة جذَّابة كما كانت متلهفة للحديث، سألناها عن أحلامها المستقبلية، فأجابت بثقة: "أنا ما عندي حلم، أنا عندي هدف، والهدف قابل للتحقيق، الهدف لا يأتي وحيدًا بل يأتي ضمن خطة تطوير ذاتية أو مهنية، الهدف حاد كالسهم ومحدد بتاريخ بداية ونهاية". كانت إجابتها مدهشة.

حياكة السديري وحياكة المستقبل

يقول خبراء التفصيل إن حياكة قطعة السديري من أصعب أنواع الخياطة، لأنه مرفول الوجهين منعّم البطانتين، تمامًا كالإقدام على مشروع بذرته عبارة عن فكرة بديعة ليست عصية على التحقيق، حتى وإن بدا مليئًا بالصعوبات.

لم تتوقف عطاءات أرامكو السعودية لهذا المشروع على الإمدادات المالية، وإنما شملت التعاون مع الجهات المساهمة الأخرى، إذ أخذوا على عاتقهم معالجة المشكلات العارضة التي قد تُعيق تقدم ونجاح هذا المشروع الوطني بامتياز.

لقد واجهت المشروع بعض التحديات التي تمثَّلت في صعوبة إقناع البعض بأهمية العمل واكتساب الرزق بطريقة تكفل لهن الاحترام الذاتي وخدمة المجتمع، والعمل على تطوير مهارات التواصل واختراق الحواجز العاطفية والنفسية، إذ ترتفع الحساسية لدى ذوي الإعاقة، نظرًا لعدم تلقي التعليم الكافي لزيادة تقدير الذات والثقة بالنفس، وكذلك كيفية التعامل مع عدة مستويات متباينة من ضعف السمع إلى الصمم الكامل، وبين مستخدمات لسماعة وأخريات بمشكلات صحية متنوِّعة، وأخيرًا إيجاد سوق سعودي يثق في جودة الإنتاج واتباع خطط تسويقية احترافية.

كان من الأولويات المهمة البدء في تنفيذ خطة التدريب والتطوير، وذلك عن طريق انخراط الموظفات في دورات للخياطة والتطريز على أيدي متمرسين واختصاصيين في التعامل مع ذوي الإعاقة، وتم تقسيم الدورات إلى قسمين: المهارات التقنية والمهارات الناعمة. وتشمل المهارات التقنية خطوط الإنتاج وكيفية الخياطة، والقص والتطريز، واستعمال الآلات الحديثة، حيث تتعلَّم فيها الموظفة استعمال ماكينة الخياطة في خط مستقيم، ثم لخياطة مربع، في حين تشمل المهارات الناعمة دورات في إدارة الوقت والإسعافات الأولية والتواصل الفاعل. والمفاجأة أن الموظفات من ذوات الإعاقة قد أكملن مراحل التدريب قبل انتهاء المدة المحددة لذلك، الأمر الذي أتاح بدء تشغيل خط الإنتاج قبل الموعد المحدَّد للانطلاق.

اتساق إمكانات المركز وإمكانات ذوات الإعاقة

لتسهيل المخاطبات، سخّرت الإدارة نظام التوجيهات بالإضاءة متعددة الألوان، وأصبح لكل خبر أو توجيه إداري إشارة ضوئية معينة، تُستخدم أيضًا للإحاطة بوجود زوار في المصنع، أو في حالات الحريق أو للإبلاغ عن الإصابات أو في حالة ضرورة مغادرة المبنى لأي سبب طارئ، لا سمح الله.

تبدأ مراحل العمل من تسلُّم منال السميري، موظفة قسم التسويق، لطلبية خياطة، ويتم تدارسها مع الشركة المقدّمة على الطلب وإعداد العقود، ثم تُنقل إلى قسم التصميم بقيادة هناء الغامدي، خريجة التربية الخاصة، مسار إعاقة سمعية، التي تعمل كمصممة على برنامج كمبيوتري خاص بالتطريز يقوم بتحويل التصميم الجاهز إلى باترون أو رسمة جاهزة للتطريز عليها فوق القماش. في بعض الأحيان، لا تشترط الطلبية القيام بأي تصاميم، فتكون طلبية خياطة فقط دون تطريز، مما يستدعي التنسيق مع مشرفة الخياطة على البدء بتحديد مدة العمل وموعد التسليم.

يضم الفريق الإداري عشر موظفات، من بينهن مترجمة ومسؤولة جودة، ومن الجميل أن هناء الغامدي تجيد لغة الصم، فتعمل أيضًا كمترجمة إشارة.

تقول مديرة مركز قيطان، سهى البصراوي: "أنا فخورة بالعمل مع البنات من ذوات الإعاقة السمعية، فقد تعلَّمت منهن الصبر وأسلوب تواصل جديد. لقد كان الأمر صعبًا في البداية، حيث التعامل مع أشخاص من خلفيات ثقافية ومستويات تعليمية مختلفة عن بعضها بعضًا".

نجحت الإدارة في مراعاة الفوارق الفردية بين الموظفات، فالبعض منهن يعانين من ضعف طفيف في النظر، لكنهن يُتقنَّ الشد على الإطار، بينما توكل مهمة اتخاذ القياسات وتنظيف القطع القماشية من الخيوط الزائدة إلى اللواتي يتمتعن بنظر سليم، وهناك بعض المصابات بضعف في الوتر الحركي لعضلات اليد، لكنهن تتميزن في الكيّ والتغليف والترصيص في الصناديق.

بينما نورة سريعة ولديها حافز ينشر في المكان بأكمله أجواء حماسية مرتفعة المعنويات، لدرجة أنها أكملت كمية من القطع المحاكة بالكامل في أسبوع، وتعادل الكمية التي أنجزتها بعض الفتيات في ثلاثة أشهر، وبذلك نحن أمام مجموعة متفاوتة ومتباينة من القدرات.

وراء كل قطعة حكاية

زرعة عزيزي كانت تعمل منسقة ورود، وبعد انتهاء عقد عملها ركنت إلى البقاء في البيت بلا وظيفة ولا معرفة ولا إسهام في المجتمع. عرفت عن مركز قيطان من تناقل الأخبار في مجتمع الصم، حيث يتناقلون الأنباء بسرعة البرق، فقدَّمت على المركز لكنها كانت تخشى التخلي عن حياتها البسيطة، ولم تكن تؤمن بأنها تمتلك القدرة على العطاء، تقول: "أقنعتني أستاذة سهى وأعطتني وقتًا للتفكير، وقررت أن أبدأ التجربة في تعلم شيء في حياتي الخالية من كل معنى".

نجوى الحربي حاصلة على نسبة %97 في المرحلة الثانوية، وجائزة الأمير محمد بن فهد للتفوق العلمي. كانت أمنيتها دخول الجامعة وإكمال تعليمها الأكاديمي، إلَّا أن ذلك لم يكن ممكنًا في ظل عدم توفر مجالات خاصة بحالتها، ثم قدَّمت على مركز قيطان ولم تكن لديها أدنى معرفة بأصول الخياطة، فظنت أن ما يقترحه المركز من عمل لا يناسبها لأنه مجال لم تفكر فيه مسبقًا، لكنها بعدما تلقَّت التدريب اللازم أتقنت العمل وأحبته.

نورة الأحمدي، مشرفة الخياطة، تقول عن هنادي الزنادي، على الرغم من أن مسافة الطريق طويلة من سكنها إلى موقع المركز لكنها منضبطة في الحضور يوميًا في موعدها، ودائمًا تشعر أن الماكينة صديقتها تتعامل معها بإخلاص ومحبة، ورغم أن جميع الفتيات يتجهن صباحًا إلى قاعة الطعام في أيام الإفطار، إلا أن هنادي تتجه مباشرة إلى الماكينة.

منال، خياطة وأم صماء لطفلين سليمين، تستقل الحافلة يوميًا من محافظة الأحساء لبلوغ المركز، في رحلة شاقة، تعترف أنها لم تكن مقتنعة بهذا العمل في بادئ الأمر، لكنها عندما انخرطت بدورات التدريب أحبت الفكرة وأقبلت عليها بكل شغف.

فاطمة الشيخ، مسؤولة المقص الكهربائي، قدراتها السمعية ممتازة، ورغم الزواج المبكر وعدد أطفالها السبعة إلا أنها ثابرت لإكمال تعليمها الجامعي، فلم تشغلها سنوات الانتظار الطويلة عن البحث عن تحقيق ذاتها في وظيفة مناسبة، تميل للحركة والنشاط، فالتحقت بمركز قيطان للخياطة والتطريز، تقول: "صدمتُ عندما وجدتُ أن أغلب زميلاتي من فئة الصم، وشعرتُ بالذعر في البداية وتوالت الأسئلة كيف سأتعامل معهن وهل سنندمج معًا، لكني قررت كسر الحاجز بيني وبينهن خاصة وأنني أحب تعلم الجديد، فهرعت إلى اليوتيوب فور عودتي إلى البيت في أول يوم دوام لتشغيل مقاطع تسجيلية في تعليم الإشارة وعلَّمت نفسي بنفسي، واليوم أستطيع التكلم معهن بلا أصوات، لم أكن أتخيَّل مدى سعادتهن عندما شعرن باهتمامي وتقديري لهن".

أما من جانب التعامل مع المقص الكهربائي، فأشارت إلى أن العمل ممتع ولا يخلو من بعض الخطورة، وعندما سألناها عن أعلى عدد طبقات قامت بقصه إلى الآن، قالت ثلاثين قطعة في المرة الواحدة، وكلما زادت عدد الطبقات كلما سهلت التحكم في المنحنيات والياقات بكل أنواعها.

أوضحت نورة الأحمدي، مشرفة الخياطة، أن المقص الكهربائي يقص من 50 إلى 800 طبقة قماش لإنجاز أكبر قدر ممكن من طلبيات الأزياء الموحدة والبدل النظامية (البزّات النظامية) وأشارت إلى أن اختيار فاطمة الآن في هذه المرحلة جاء عن قصد نظرًا لأن صوت المقص الكهربائي يُسبب ذبذبات مزعجة لذوات السماعة الطبية، وإذا لم يتم القص على نحو دقيق ومنضبط فوق الباترون، فإن القياسات ستتغير تبعًا لذلك، تقول نورة: "لذلك قمنا بتقسيم الموظفات على مهمات عمل مختلفة تكون أكثر ملاءمة لقدرات كل منهن والفروقات الخاصة الأخرى".

مشاعل الجويرة، مشرفة التطريز، تستقبل الطلبيات الخاصة بالتطريز وتساعد الموظفات على إحكام ربط الإطارات فوق المنطقة المختارة للشعار، ومن ثم تنتقل بهن إلى مكائن التطريز، ثم ماكينة "الأوفر لوك" وهي مرحلة وضع اللمسة الأخيرة، من تنظيف لزوائد الخيوط والقماش وثني الزوايا، وهذه المرحلة تستلزم دقة أيضًا وسرعة تجاوب مع بقية أفراد فريق العمل.

حملات من أجل الناس وليست إلى الناس

طرح قسم المواطنة في أرامكو السعودية استراتيجية جديدة وبدأ العمل بها منذ مطلع 2015م، غيّرت مفهوم المسؤولية الاجتماعية لدى الشركات، بل وغيَّرت مسار العمل فيه، والحقيقة أن الشركة تستبق اللحظة والفكرة، في حيوية وتجدد وتفاعل مجتمعي كبير يُحسب لها، لأنه يصنع حالة من التواصل مع كافة قطاعات الوطن، بل ويذهب لأبعد من ذلك حين يمد جسور الترابط بينه وبين أفراد ومؤسسات المجتمع، ويعمل همزة وصل - إذا تطلب الأمر - للربط فيما بينهم، لتحقيق الصالح العام ومنفعة الجميع، سعيًا للتناغم مع أهداف رؤية 2030.

اضطلعت الاستراتيجية الجديدة بدعم قيادة مبادرات طويلة الأجل تُسهم في مشاريع محلية ترتكز في الأساس على تحويل الأفراد من معتمدين على جمعيات خيرية أو الضمان الاجتماعي إلى أفراد نافعين لأنفسهم معيلين لأسرهم ومستقلين ماديًّا، ومن ثمّ تجاوز الأمر مجرد تقديم تبرعات مالية ودعم قصير الأجل إلى تقديم الرعاية الكاملة من توظيف وتدريب وتطوير، مرورًا بكافة الخدمات والتسهيلات كإمداد الشركات بالمعلومات والموارد المطلوبة، وانتهاءً بالمتابعة والمراقبة والتقييم المستمر فيما بعد انتهاء المشروع.

اعتمدت الاستراتيجية الجديدة على عاملين مهمَّين، هما: زيادة الفرص الوظيفية مع مراعاة التركيز على حاجة السوق من جهة، وتطوير إمكانات فئات مجتمعية معطلة من ذوي الإعاقة بحيث تتلاءم مع المطلوب من جهة أخرى. المنطقة الشرقية ثرية بمجموعة موارد، علاوة على عددٍ كبيرٍ من ذوي الإعاقة الخاصة / الإعاقة السمعية، مما حدا بالقائمين على مشروع مركز قيطان للخياطة والتطريز الطموح بتعيين 100 مستفيدة / موظفة في المصنع، وتم بالفعل توظيف 40 موظفة، توظيف تدريجي - أكثر من نصفهن من ذوات الإعاقة السمعية.

وهكذا، تستهدف المواطنة في أرامكو السعودية التمكين، حيث تعمل برامج خدمة المجتمع التي تنفذها الشركة على تحفيز المواطنين لزيادة تفاعلهم مع مجتمعاتهم ولعب دور أكبر فيها، والإسهام الإيجابي في دفع عجلة التنمية في المملكة.